فخر الدين الرازي
79
تفسير الرازي
يجب أن يكون حكيماً ، لأن إيصال النعمة إلى الغير لو لم يكن مبنياً على داعية الحكمة لكان ذلك تبذيراً لا كرماً . أما إذا كان مبنياً على داعية الحكمة فحينئذ يسمى كرماً ، إذا ثبت هذا فنقول : كونه كريماً يدل على وقوع الحشر من وجهين كما قررناه ، أما كونه حكيماً فإنه يدل على وقوع الحشر من هذا الوجه الثاني ، فكان ذكر الكريم ههنا أولى من ذكر الحكيم ، هذا هو تمام الكلام في كيفية النظم ، ولنرجع إلى التفسير . أما قوله : * ( يا أيها الإنسان ) * ففيه قولان : أحدهما : أنه الكافر ، لقوله من بعد ذلك : * ( كلا بل تكذبون بالدين ) * ( الانفطار : 9 ) وقال عطاء عن ابن عباس : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في ابن الأسد بن كلدة بن أسيد وذلك أنه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى ، وأنزل هذه الآية والقول الثاني : أنه يتناول جميع العصاة وهو الأقرب ، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ . أما قوله : * ( ما غرك بربك الكريم ) * فالمراد الذي خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات ، والمعنى ما الذي أمنك من عقابه ، يقال : غره بفلان إذا أمنه المحذور من جهته مع أنه غير مأمون ، وهو كقوله : * ( لا يغرنكم بالله الغرور ) * ( لقمان : 33 ) هذا إذا حملنا قوله : * ( يا أيها الإنسان ) * على جميع العصاة ، وأما إذا حملناه على الكافر ، فالمعنى ما الذي دعاك إلى الكفر والجحد بالرسل ، وإنكار الحشر والنشر ، وههنا سؤالات : الأول : أن كونه كريماً يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه بدليل المعقول والمنقول ، أما المعقول فهو أن الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فلما كان الحق تعالى جواداً مطلقاً لم يكن مستعيضاً ، ومتى كان كذلك استوى عنده طاعة المطيعين ، وعصيان المذنبين ، وهذا يوجب الاغترار لأنه من البعيد أن يقدم الغني على إيلام الضعيف من غير فائدة أصلاً ، وأما المنقول فما روي عن علي عليه السلام ، أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه ، فنظر فإذا هو بالباب ، فقال له : لم لم تجبني ؟ فقال : لثقتي بحلمك ، وأمني من عقوبتك ، فاستحسن جوابه ، وأعتقه ، وقالوا أيضاً : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ، ولما ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به ، فكيف جعله ههنا مانعاً من الاغترار به ؟ والجواب : من وجوه أحدها : أن معنى الآية أنك لما كنت ترى حلم الله على خلقه ظننت أن ذلك لأنه لا حساب ولا دار إلا هذه الدار ، فما الذي دعاك إلى هذا الاغترار ، وجرأك على إنكار الحشر والنشر ؟ فإن ربك كريم ، فهو لكرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطاً في مدة التوبة ، وتأخيراً للجزاء إلى أن يجمع الناس في الدار التي جعلها لهم للجزاء ، فالحاصل أن ترك المعاجلة بالعقوبة لأجل الكرم ، وذلك لا يقتضي الاغترار بأنه لا دار بعد هذه الدار وثالثها : أن كرمه لما بلغ إلى حيث لا يمنع من العاصي موائد لطفه ، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم ، كان أولى فإذن كونه كريماً يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار ، وترك الجراءة والاغترار وثالثها : أن كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة والاستحياء من الاغترار والتواني ورابعها : قال بعض الناس :